الشيخ محمد هادي معرفة

104

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلًا فيكلّمني ، فأعي ما يقول « 1 » وهو أهونه عليّ » . « 2 » وتذييلًا على هذه الرواية - وهي متواترة إلى حدّ ما - يجب أن ننبّه القاريعلى نقاط هامّة : أولًا : صلصلة الجرس في هذه الرواية ، كناية عن صوت متعاقب كصوت الناقوس المصلصل المجلجل ، كان صلى الله عليه وآله يسمع صوتا متداركا كجلجلة الناقوس ، هوصوت الوحي المباشر ، فكان صلى الله عليه وآله ينصت له بكلّ وجوده حتى يتلقّاه كملا . وكان ذا وقع شديد على نفسه الكريمة . وهذا التعبير « صلصلة الجرس » يشي بشدّة الوقع ، حيث تتابع الصوت المتدارك يؤثّر على حاسة السمع تأثيرا نافذا في الأعماق ، فكأنّما يأخذ بلبّ القلب ، أخذا متواصلًا قويّا ومن ثمّ قال صلى الله عليه وآله : ظننت أنّ نفسي تقبض . والظاهر أنّ هذه الصلصلة كانت تمهيدا لنزول الوحي عليه صلى الله عليه وآله كي يستعدّ لذلك الاتصال الروحي الشديد . ومن ثمّ قال : ثمّ أسكت عند ذلك ، أي أنصت حيث الإشعار بنزول الوحي . نعم كان للوحي ذاته دويّ شديد بالغ الشّدة ، لم يكن يتحمّله أهل السماوات العلى . قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى : « حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ » . « 3 » « كان أهل السماوات لم يسمعوا وحيا في الفترة بين المسيح عليه السلام وبعثة محمد صلى الله عليه وآله فلمّا بعث اللّه محمدا صلى الله عليه وآله سمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا ، فصعقوا أجمعين . فلمّا فرغ اللّه من الوحي ، انحدر جبرائيل كلّما مرّ بأهل سماء فزع عن قلوبهم ، أي كشف عنهم تلك الغشية . فجعل بعضهم يقول لبعض : « ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ؟ قالُوا الْحَقَّ ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ » . « 4 » وفي حديث ابن مسعود : « إذا تكلّم اللّه بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة

--> ( 1 ) - صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 3 ؛ والطبقات ، ج 1 ، ص 132 ؛ وبحار الأنوار ، ج 18 ، ص 260 . والصلصلة : صوت تداكّ الحديد بعضه مع بعض . ( 2 ) - هذه الزيادة جاءت في رواية أبي عوانه في صحيحه . راجع : فتح الباري ، ج 1 ، ص 20 ؛ والإتقان : ج 1 ، ص 129 . ( 3 ) - سبأ 23 : 34 . ( 4 ) - تفسير القمي ، ج 2 ، ص 202 .